محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

180

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

عروبة قتادة أنّ معنى « اشتروا » استحبّوا الضلالة على الهدى ؛ والعرب تقول لكلّ من ترك شيئا واستحبّ غيره إنّه قد اشتراه على معنى أنّ رغبته فيه كرغبته في المشتري ؛ فالاشتراء إذا بمعنى الاختيار . والوجه الثالث : أنّه على حقيقة الشراء ؛ فكأنّهم اشتروا الكفر بالإيمان لأنّهم كفروا بعد إيمانهم ، قال اللّه تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ؛ وهذا قول الكلبي ومقاتل ومجاهد . قال الكلبي : باعوا إيمانهم بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - قبل أن يبعث إليهم بالضلالة التي دخلوا فيها من اليهودية والتكذيب ؛ وقال مقاتل ومجاهد : آمنوا ثمّ كفروا ؛ وإن حملت الآية على المنافقين فالبيع والشراء في حقّهم ظاهر ؛ فإنّهم آمنوا بلسانهم واشتروا الضلالة بالهدى بعد الإيمان للنفاق الذي أضمروه . والوجه الرابع : اختاروا متابعة الشهوات وما هو سبب الضلال من الهوى والاستبداد بالرأي على الهدى في القرآن . قال اللّه تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي لم يحصلوا من تجارتهم على ربح ، بل خسروا ثواب الدنيا والآخرة ، ولم يحصلوا من الضلال الذي آثروه على الهدى الذي تركوه على نفع في الدنيا والآخرة ، وما كانوا مهتدين من الضلالة ، ونحوه قال مقاتل . قال قتادة : خسرت صفقتهم ولم يربحوا ؛ لأنّهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الإطاعة إلى المعصية ، ومن الأمن إلى الخوف . وقوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ ، قال أبو إسحاق : « 1 » معناه ما ربحوا في تجارتهم ؛ لأنّ التجارة لا تربح وإنّما يربح فيها ؛ والعرب تقول : قد خسر بيعك وربحت تجارتك . يريدون بذلك الاختصار وسعة في الكلام ؛ وقد قال اللّه تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ والليل والنهار لا يمكران ، وإنّما معناه بل مكرهم في الليل والنهار ؛ فكذلك قول القائل : ربح بيعك ، معناه ربحت في بيعك . قال أصحاب المعاني : هذا مثل ، أي : ما زكا عملهم ولا أفلح اختيارهم ، بل خاب سعيهم وخسرت ( 75 ب ) صفقتهم وحبط عملهم . وقوله : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي لم يكونوا مصيبين فيما فعلوا ولا ذوي رشد فيما

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة والمعاني .